Kemalcelik
Kemalcelik

الدكتور كمال سيليك: البناء المستدام في أبوظبي

الدكتور كمال سيليك والمباني المستدامة في أبوظبي

أستاذ مساعد في الهندسة المدنية بجامعة نيويورك أبوظبي

وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإنّ قطاع المباني مسؤول عما نسبته 40 بالمائة من انبعاثات الغازات الدفيئة المنتجة في العالم، وتشكّل بدورها الطاقة اللازمة لتشغيل المباني يوميًا (من إنارة وتدفئة وتبريد) وتصنيع المواد ونقلها عواملاً تصبّ كلّها في هذا الإطار، ناهيك عن أنشطة الإنشاءات بحدّ ذاتها وأثرها الضار.

كما يحتاج إنتاج الاسمنت، المادة الأساسية في تكوين الخرسانة، إلى كميات كبيرة من الطاقة، وهو ما يساهم وحده بحوالي 7 بالمئة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن عمل الإنسان.

تعتبر أبوظبي من المدن التي تشهد نموًا سريعًا، ويشكل البحث عن مواد بناء وآليات للإنشاءات أكثر استدامةً محطّ تركيز رئيسي في بحوث جامعة نيويورك في أبوظبي.

ويتولى الدكتور كمال سيليك، خريج جامعة إسطنبول، ويحمل أيضاً شهادة دكتوراه في الهندسة المدنية والبيئية من جامعة كاليفورنيا بيركلي في الولايات المتحدة، رئاسة مختبر البحوث المتقدمة حول كفاءة البناء والمواد.

وقد تخصص د. سيليك في مواد البناء طوال مسيرته المهنية وعمل سابقًا كباحث ما بعد شهادة الدكتوراه في برنامج كفاءة البناء واستدامته في المناطق المدارية في سنغافورة - بيركلي، وهي شراكة دولية تقودها جامعة كاليفورنيا بيركلي.

وقد تطوّرت البحوث التي يعمل عليها د. سيليك في مختبر "أمبير"، بالتركيزعلى مواد البناء المستدامة ومتعددة الوظائف، لتتخذ شكل المشروع الذي يعمل عليه حاليًا وهو إنشاء نوع جديد من الخرسانة "الخضراء" التي تعزل ثاني أكسيد الكربون بدلًا من إنتاجه.

وتم التوصل إلى ذلك من خلال قيام فريقه أولًا بتطوير اسمنت متعادل من حيث الأثر الكربوني يحتوي على أكسيد المغنيسيوم المتفاعل ويستخدم أجاج تحلية مياه البحر. والأجاج  مشتق صناعي شائع في المناطق التي تعاني من محدودية فرص الحصول على المياه العذبة، والتي دأب الكثير من بينها، ومنها أبوظبي، على الاستثمار في تدابير الأمن المائي، ومن هذه التدابير إنشاء محطات كبيرة لتحلية مياه البحر.

ويتضمن الأجاج الناجم عن التحلية كميات مركّزة كبيرة من المعادن المفيدة التي غالبًا ما تُعاد إلى البحر، ما يضرّ الحياة البحرية. كما يزيد هذا الأجاج من مستويات ملوحة مياه البحر المحيطة، ما يُضعِف كفاءة عملية التحلية أكثر، وبالأخص في منطقة الخليج العربي التي تعاني أصلاً من مستويات ملوحة مركّزة.

وتسمح المعادن الموجودة في الأجاج باستخدامه كمادة صديقة للبيئة بديلة عن كربونات المغنيسيوم المستخدم في العادة، من أجل إنتاج الاسمنت المغنيسيا المتفاعل. إلى ذلك، يتميز الأجاج بأنّه يترك أثرًا كربونيًا أقل، وهو متوفر على نطاق واسع في المنطقة.

وبإمكان مختبر أمبير أن يستخدمه حاليًا إما كمعجون أو ملاط أو خرسانة لتصميم نماذج أولية بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. كما يبحث الفريق عن سبلٍ لإنتاج الكتل الخرسانية عبر مزج الاسمنت مع رمل الصحراء الذي يشكل موردًا طبيعيًا يكاد لا ينضب في المنطقة.

تساوي قوة الاسمنت المغنيسيا التفاعلي في شكله الحالي قوة الاسمنت البورتلاندي التقليدي الذي يبعث ثاني أكسيد الكربون، إلاّ أنّ اسمنت المغنيسيا يستمر في امتصاص ثاني أكسيد الكربون وعزله، وتساهم هذه العملية الكيميائية في تقوية الاسمنت أكثر.

وفي حين أنّ أوجه استخدام هذه المادة ما زالت تقتصر على الرصف وإنتاج كتل البناء في الوقت الحالي، يتوقع د. سيليك أننا قد نصل إلى وقتٍ يصبح بإمكاننا توسيع قدرات هذا الإسمنت إلى حدٍ كبير.

ويقول في هذا الصدد: "يكمن التحدي الفني في تسليح الخرسانة، إذ إنّ قضبان الفولاذ الكربوني معرضةً للتآكل في هذا النوع من الاسمنت، لكنّنا في صدد العمل على طرق بديلة للتسليح، إما باستخدام الألياف الاصطناعية أو الألياف الطبيعية".

وبعدما شارك د. سيليك في برنامج تسريع الأعمال "ستارت إيه دي" برعاية جامعة نيويورك عام 2019، بات الآن واثقًا من أنّ مادة الاسمنت هذه تقترب أكثر فأكثر من مرحلة الإنتاج على نطاق واسع، وقد بدأ التعاون مع شركة هندسة معمارية دولية لبناء الجناح الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة في بينالي البندقية للهندسة المعمارية.

ويقول د. سيليك في هذا الصدد: "لقد حظينا بدعم كبير من الجامعة والحكومة ومن شركائنا الصناعيين". ويضيف: "من المزايا الأخرى التي نتحلى بها هي التنوع الذي يتيحه لنا مختبر أمبير. نحن عشرة أشخاص من تسع دول نعمل في المختبر، وقد أتاح لنا ذلك بيئةً مزدهرةً لتطوير البحوث في المختبر".